أحمد مصطفى المراغي

95

تفسير المراغي

ثم بين أنه مع كل هذه المواعظ أبى وزاد في كفران النعمة فقال : ( قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي ) أي قال قارون لمن وعظوه : إنما أوتيت هذه الكنوز لفضل علم عندي ، علمه اللّه منى ، فرضى بذلك عنى ، وفضّلنى بهذا المال عليكم . وتلخيص ذلك : إني إنما أعطيته لعلم اللّه أنى له أهل . ونحو الآية قوله « فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ » . فرد اللّه عليه مقاله بقوله : ( أَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ) أي أنسى ولم يعلم ، حين زعم أنه أوتى الكنوز لفضل علم عنده ، فاستحق بذلك أن يؤتى ما أوتى ؟ أن اللّه قد أهلك من قبله من الأمم ، من هم أشد منه بطشا ، وأكثر جمعا للأموال ؟ ولو كان اللّه يؤتى الأموال من يؤتيه لفضل فيه وخير عنده ورضاه عنه ، لم يهلك من أهلك من أرباب الأموال ، الذين كانوا أكثر منه مالا ، لأن من يرضى اللّه عنه ، فمحال أن يهلكه وهو عنه راض ، وإنما يهلك من كان عليه ساخطا ، ألم يشاهد فرعون وهو في أبّهة ملكه ، وحقّق أمره يوم هلكه . وفي هذا الأسلوب تعجيب من حاله ، وتوبيخ له على اغتراره بقوته وكثرة ماله ، مع علمه بذلك . وبعد أن هدده سبحانه بذكر إهلاك من قبله من أضرابه في الدنيا - أردف ذلك تهديد المجرمين كافة بما هو أشد من عذاب الآخرة وهو عدم سؤالهم عن ذنوبهم ، إذ أنه يؤذن بشدة الغضب عليهم ، والإيقاع بهم لا محالة ، فقال : « وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ » أي إنه تعالى حين إرادة عقابهم لا يسألهم عن مقدار ذنوبهم